الغياب أقسى من الموت.. أسر ليبية تواصل البحث عن أبنائها المختفين قسرياً
الغياب أقسى من الموت.. أسر ليبية تواصل البحث عن أبنائها المختفين قسرياً
في أحد أحياء طرابلس، تجلس أم محمد يوميًا قرب هاتفها، تتأمل شاشة صامتة بانتظار مكالمة قد تحمل خبرًا عن ابنها الذي اختفى منذ ثلاث سنوات، لم يعد أحد يعلم إن كان على قيد الحياة أم لا.. كل ما بقي لها صورة شاب مبتسم، وحقيبة صغيرة لم تفتحها منذ لحظة اعتقاله.
قصة أم محمد ليست استثناءً، فبحسب ما ذكرت منظمة رصد الجرائم في ليبيا، في بيان، اليوم الأحد، تم توثيق 279 حالة اختفاء قسري منذ عام 2020 وحتى يوليو 2025.
وخلف هذا الرقم الجاف، تختبئ مئات الحكايات عن آباء لا يعرفون مصير أبنائهم، وزوجات يربين أطفالًا على ذكرى غائب قد لا يعود.
انتهاك يقوّض الأمان
تؤكد المنظمة أن الاختفاء القسري في ليبيا لم يعد مجرد ممارسات فردية، بل أصبح منهجًا من الانتهاكات الصارخة للحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي.
وفي بلد مثقل بالنزاعات والانقسامات السياسية بين شرق وغرب، يدفع الأبرياء ثمن الصراع عبر تغييبهم في السجون السرية أو عبر الاعتقال دون محاكمات.
وفي بنغازي، تقول فاطمة (اسم مستعار): "لم أعد أجرؤ على إطفاء الأنوار ليلًا.. ابني خرج من البيت قبل عامين ولم يعد.. كل ليلة أشعر أنه سيدق الباب".
ذلك الانتظار المعلّق يرهق مئات الأسر الليبية التي تعيش بين الأمل واليأس، معلقة بين صمت السلطات وصمت العالم.
مطالب بالعدالة
في بيانها بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، جددت منظمة "رصد" مطالبتها السلطات الليبية، شرقًا وغربًا، بالكشف الفوري عن مصير المختفين وإخلاء سبيلهم دون قيد أو شرط.
وأكدت أن استمرار هذه الانتهاكات يقوّض فرص الاستقرار والمصالحة الوطنية، ويغلق الطريق أمام أي سلام مستدام.
ودعت المنظمة المجتمع الدولي إلى تكثيف الضغط على السلطات الليبية للوفاء بالتزاماتها الدولية ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، مشددة على أن "الإفلات من العقاب" يشجع على تكرارها.
غياب لا ينتهي
بين الأرقام والبيانات، تبقى الحقيقة الأكثر إيلامًا أن كل مختفٍ هو إنسان له اسم ووجه وحياة أُوقفت قسرًا.. تبقى كل عائلة رهينة الغياب، لا تعرف إن كان عليها أن تحزن على ميت أو تنتظر عائدًا.
في ليبيا اليوم، الغياب ليس فراغًا فحسب.. بل هو جرح يومي مفتوح في جسد وطن يبحث عن مصالحة وعدالة.